![]() |
أثر الاتفاقيات الدولية المعاصرة على أنشطة الملكية الصناعية في الدول العربية
لقد كانت حماية الملكية الفكرية في العالم العربي منذ فترة طويلة إحدى حلقات الوصل الضعيفة في إطار النمو الاقتصادي للمنطقة، وبالرغم من الرغبة في تلبية المطالب الاجتماعية والاقتصادية لسكان المنطقة المتنامين في العدد، فقد تأخر النمو بسبب عدم توفر الحماية الكافية للملكية الفكرية، من ناحية عدم وجود التشريع المناسب وعدم تنفيذ التشريع الحالي، على أن العقد الأخير شهد تغيرات هامة في أنظمة الملكية الفكرية في البلدان العربية، كما أن بعض أهم التغيرات في تاريخ المنطقة تلوح في الأفق.
يتم تنسيق وإدارة حماية الملكية الفكرية على نطاق العالم بأجمعه، تحت رعاية المنظمة العالمية للملكية الفكرية (وايبو) التي أنشأت عام 1970
وقد نشأت حماية الملكية الفكرية في شكلها الحديث مع اتفاقية باريس لحماية الملكيــة الفكريـة(1883) واتفاقية بيرن لحماية المصنفات الأدبية ( 1886).
وهناك العديد من المعاهدات الأخرى التي تديرها الويبو بهدف توفير حماية أكثر شمولاً وكفاءة وفاعلية، أما المعاهدات الأخرى فالاتفاق بشأنها أقل، وهكذا فإن مشاركة الدول الأعضاء في الويبو في هذه المعاهدات أقل من مشاركتها في اتفاقيتي باريس وبيرن
وبالإضافة إلى العدد المحدود من البلدان المنضمة إلى الاتفاقيات الدولية للويبو، كان هناك دائماً موضوع إضافي وشائك، وهو القدرة على وضع المعاهدات موضع التنفيذ، وفي السابق كانت هناك فقط وسائل محدودة لضمان تنفيذ البلدان المشاركة للالتزامات التي وافقت عليها أسمياً، إما من خلال التشريعات أو من خلال المعاهدات الدولية.
وهكذا في ظل عدم وجود آليات تنفيذ فعالة ومتعددة الجوانب، فقد أتخذت البلدان التي لها مصالح قوية في الملكية الفكرية الإجراءات للدفاع عن مصالحها المتعلقة بالملكية الفكرية في الأسواق الدولية، والولايات المتحدة التي هي الدولة الرائدة في الابتكار وصادرات الملكية الفكرية، كانت من أقوى الدول المناصرة لهذا الأسلوب، واستخدمت مكتبها التمثيلي للتجارة الأمريكية لوضع قائمة بالبلدان التي يعتقد أنها تخرق حقوق الملكية الفكرية دولياً، وقد تنتهي الدول بأن توضع في " قائمة مراقبة"، أو في حالات البلدان التي تسبب مشاكل خطيرة فإنها قد تسمى " بلدان مراقبة ذات أولوية".
أن أكبر خطوة منفردة في الإدارة الدولية لحماية الملكية الفكرية أتخذت هذا القرن، وقد تمثلت في عقد جولة أوروغوي لمفاوضات الجات مع اتفاقية مراكش اللتان أسستا منظمة التجارة العالمية التي تتكون من ثلاث أدوات قانونية أساسية وهي اتفاقية الجات القديمة المعروفة الآن بـ " جات –94" والاتفاق العام بشأن التجارة في الخدمات ( الجاتس) والاتفاقية التي تهمنا هنا وهي الاتفاق الخاص
بالنواحي المتعلقة بالتجارة لحقوق الملكية الفكرية ( تريبس) وما نتج عنها من محاولات للدول المتقدمة لوضع حد للبضائع المزورة والمقلدة وقد قاومت البلدان النامية مبدئياً هذه المحاولات.
والسبب الذي من أجله قاومت البلدان النامية أصلاً إقامة الحدود الدنيا لحماية الملكية الفكرية هو انها شعرت أن ذلك سيحقق النفع فقط للبلدان المتطورة، حيث أن بقية دول العالم دفعت الكثير للتقنية والتقدم، وهذا الرأي يمثل الى حد كبير نظرة البلدان العربية الى وقت قريب جداً.
إلا ان النظرة الى حقوق الملكية الفكرية وفهمها في البلدان النامية قد تغيرت الى حد كبير على مدى السنوات، ومعظم البلدان النامية تفاخر على الأقل بعدد صغير من رجال الأعمال والقادة السياسيين الذي يفهمون حماية الملكية الفكرية على أنها متطلب أساسي لاقتصاد صحي.
وفي الحقيقة أن مشاكل الحماية الضعيفة للملكية الفكرية والقرصنة في البلدان النامية هي التي أدت الى إدخال اتفاق تريبس في جولة مفاوضات الجات، ونظراً لنطاق التغييرات الضرورية فقد منحت البلدان النامية فترات زمنية أطول لتنفيذ اتفاق تريبس لوضع أحكام أكثر امتثالاً لهذا الاتفاق، ولإتاحة الفرصة أمام الصناعات المحلية للإعداد للمنافسة وتطوير قدرات البحث والتطوير والاستثمار لديها.
وتنص اتفاقية تريبس على حد أدنى من مستويات الحماية، كما تبين بوضوح ما الذي يمكن ولا يمكن استثناؤه من الحماية، كما تنص على أنظمة واضحة بشأن استعمال قوانين الترخيص الإجباري وتضمن الحماية لسلسلة كاملة من موجودات الملكية الفكرية بما في ذلك البراءات والعلامات التجارية وحقوق التأليف والأسرار التجارية وبيانات الأصل الجغرافي وتصميم الدوائر المتكاملة، كما أنها تطلب الحماية للأصناف النباتية إما بواسطة البراءات أو الحماية من نوع خاص.
إن نطاق التغطية لاتفاق تريبس واسع للغاية، والامتثال لاتفاق تريبس إجباري لجميع الاعضاء في منظمة التجارة العالمية، ونظراً للأهمية المعترف بها بشكل عام لتحرير التجارة والمشاركة في النظام التجاري العالمي فقد وجدت معظم بلدان العالم أنه من الضروري الانضمام الى منظمة التجارة العالمية،
كما ان العديد من البلدان المتبقية تعمل على التفاوض للانضمام، وعلى ذلك فإن اتفاق تريبس الذي هو أوسع واكثر تفصيلاً من أي معاهدة أخرى خاصة بالملكية الفكرية ومعقودة على مستوى متعدد الأطراف حقق كذلك معدل انضمام أعلى من أي اتفاق ملكية سابق متعدد الأطراف، واتفاق التريبس كجزء من منظمة التجارة العالمية خاضع لآليات التنفيذ لمنظمة التجارة العالمية، وبذلك فهو أول معاهدة ملكية فكرية تتضمن وسيلة فعالة لتنفيذ أحكامها.
إن انضمام عدد محدود من البلدان العربية حتى الآن لمنظمة التجارة العالمية، ومفاوضات العديد منها للانضمام يعني أن أثر اتفاق تريبس على المنطقة العربية سينجم عنه تغيير كبير في إطار حماية الملكية الفكرية، وستكون التغييرات في التشريع والعملية القضائية وفرض حقوق الملكية الفكرية ذات أهمية كبيرة جداً، وفي البلدان العربية لم يتم بعد تنفيذ اتفاق تريبس على نطاق واسع بسبب وضعها كشعوب نامية، إلا أن تحقيق ذلك أصبح قريباً جداً وسيكون له أثر قوي على المجتمع العربي، كما سيكون هذا الأثر إيجابياً.
ان الهيئة الدولية الرئيسية المكلفة بمساعدة البلدان النامية لإدارة الملكية الفكرية هي المنظمة العالمية للملكية الفكرية، وتتكون مساعدة هذه المنظمة بشكل عام من تقديم الخدمات الاستشارية والتدريب والتوثيق والمعدات وعقد ورش عمل وندوات ومؤتمرات، والمنظمة العالمية للملكية الفكرية نشطة جداً في المنطقة العربية، وهي تقود الجهود نحو زيادة حماية الملكية الفكرية في كل بلد من البلدان الموقعة على اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، وكذلك في البلدان غير الموقعة وتعتبر المساعدة ذات أهمية كبيرة، حيث أن البلدان العربية كان عليها ( ولا تزال) القيام بالكثير من العمل للوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية تريبس.
ويجب عدم التغاضي عن المساهمة الهامة للمنظمات غير الحكومية، فعلى المستوى الإقليمي فإن المنظمة العربية الرئيسية التي تختص بالملكية الفكرية هي المجمع العربي لحماية الملكية الفكرية الذي تم تأسيسه في مدينة ميونيخ عام 1987 للمساعدة في إيجاد إطار لحماية الملكية الفكرية في العالم العربي، وتشمل أنشطة المجمع التدريب، وتحقيق التقدم والوعي، وصياغة والتوصية بقوانين نموذجية للملكية الفكرية للبلدان العربية أو التوصية بالتعديلات المناسبة على القوانين القائمة، وتوفير منبر لتوحيد الأطراف العربية المهتمة في حقوق الملكية الفكرية وتوفير مستويات عالية للاحتراف المهني والسلوك الأخلاقي، وقد كان المجمع العربي لحماية الملكية الفكرية نشطاً بشكل خاص في القيام بدور داعم للمنظمة العالمية للملكية الفكرية ومنظمة التجارة العالمية، وهما أهم مؤسستين تتعلقان بالملكية الفكرية في العالم.
فقد نجح المجمع العربي لحماية الملكية الفكرية في تقديم المساعدة لعدة بلدان عربية سواءً من حيث إعداد مسودة قوانين الملكية الفكرية أو الأنظمة المقررة لها أو من حيث تدريب الكوادر المحلية فيها ومن هذه الدول الأردن، تونس، اليمن، ليبيا، الإمارات، عمان، الشارقة وفلسطين.
ويستطيع المجمع العربي لحماية الملكية الفكرية بصفته الإطار العربي الشامل الذي يجمع الكفاءات المتخصصة في حقل الحماية في الدول العربية وبما يتوفر له من علاقات بالمؤسسات الدولية المعنية بشؤون الحماية أن يكون وسيلة الدول العربية وبيتها الاستشاري في هذا الحقل الهام والضروري للتنمية الاقتصادية والاجتماعية العربية خلال المرحلة المقلبة.
وخلاصة القول، لقد بات من الضروري أن تركز الجهود العربية والخاصة لتطوير مهنة حماية الملكية الصناعية من جوانبها التشريعية والمؤسسية حتى تكون قادرة على أداء الدور المطلوب منها في إحداث النقلة الفنية والتكنولوجية للدول العربية منفردة ومجتمعة. اذ بدون التهيئة لهذه الانطلاقة لدخول عصر التكنولوجيا فإن فرص تقدم العالم العربي تظل تراوح مكانها.
فعلى الصعيد الوطني بدا واضحاً أنه لا بد من سد الفراغ التشريعي الذي ينظم جميع عناصر الملكية الصناعية والفكرية كما هو متعارف عليه دولياً بوما يتلاءم مع الخصوصيات والتطلعات التنموية العربية.
وعلى الصعيد القومي وفي سياق الاتجاه العالمي الجديد نحو التكتلات والتجمعات لا بد من تحقيق التنسيق الضروري والانسجام المطلوب لمجموع القوانين والتشريعات التي تنظم حماية الملكية الصناعية في الوطن العربي في خطوة أولى نحو الوصول الى قانون عربي يطبق في جميع الدول العربية ويتناسب مع ظروف وطموحات العالم العربي في تحقيق معدلات نمو اقتصادية واجتماعية معقوله.